ليل العاشقين
يا ليل العاشقين… أهل الغرام مساكين
للعاشقين ليلٌ غير ليل الناس.
فالليل الذي جعله الله سكنًا للخلق قد يكون عند العاشق بدءًا لضجيج لا يسمعه سواه؛ فإذا أوت الأجساد إلى مضاجعها، وسكنت البيوت، وخفتت الأصوات، بقي قلبه وحده كبيتٍ نسي أهله أن يطفئوا مصباحه.
وللرافعي في ذلك شكوى قديمة:
سهرتُ والليلُ أمسى للورى سكنًا
فمن يدلُّ على أجفاني الوسنا
كأن أشد ما في السهر أن ترى الليل يؤدي وظيفته في الناس جميعًا إلا فيك؛ يسكنون وتسهر، وتغمض أجفانهم وتظل عيناك معلقتين بشيء بعيد.
حتى إذا طال به السهر، لم يعد العاشق وحيدًا كما ظن.
يجيئه الرافعي مرة أخرى من وراء السنين، كأنه ما فرغ بعد من شكواه الأولى:
يا ليلُ هيَّجتَ أشواقًا أُداريها
فسلْ بها البدرَ إنَّ البدرَ يدريها
ثم تمضي الأعوام، وتتغير الألحان، ويبقى الليل هو الليل، حتى يشدو سيد مكاوي:
الليل بدموعه قاسي… ويا ويلي من ساعاته
والصبر لسه ساكت… ويا ويلي من سكاته
ومن ناحية أخرى ينوح أبو وديع:
يا ليل العاشقين… أهل الغرام مساكين
فإذا بالوحدة التي ظنها العاشق خالية قد ازدحمت بأهل الهوى من كل عصر.
يا للعجب! ما أكثر من سهروا هذا الليل قبله.
تغيرت الأسماء والوجوه، ومات قوم وجاء قوم، وتبدلت القصيدة إلى أغنية، وصار الصوت الذي كان لا يبلغ إلا من حضر المجلس يخرج الآن من هاتف صغير في غرفة مغلقة؛ وبقي الليل هو الليل، وبقي القلب هو القلب.
ولعل لهذا نأنس أحيانًا بكلام العاشقين أكثر مما نأنس بالنوم؛ لا لأنهم يملكون لنا جوابًا، ولكن لأن في معرفة أن أحدًا مر من هذا الطريق قبلنا عزاءً خفيًا.
نقرأ بيتًا كنا نعرفه منذ سنين، فإذا هو في تلك الليلة بيت آخر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابدهُ
ولا الصبابة إلا من يعانيها
وما الذي تغير فيه؟
لا شيء.
نحن الذين تغيرنا.
ثمة كلمات نظل نفهمها أعوامًا باللغة، حتى تأتي الحياة فتشرحها لنا بالقلب. نعرف معنى الشوق، ثم نشتاق؛ فنعرف أن معرفتنا الأولى لم تكن إلا شرحًا للكلمة.
وربما طال به السهر حتى عاد إلى شيءٍ من كلامه القديم؛ كلمات كتبها في حالٍ مضت، ثم تركها ومضى.
والعجيب أن المرء لا يقرأ ما كتبه مرتين بالطريقة نفسها. فقد يكتب الكلمة وهو يظن أنه استوفى بها ما في نفسه، ثم يعود إليها بعد زمن، وقد مرَّ به من الحب والشوق ما لم يكن قد مرَّ به يوم كتبها، فيجد في كلماته القديمة معنى جديدًا لم يقصده، أو لعله قصده ولم يكن قد عاشه كاملًا بعد.
وما أغرب أن يسبقنا كلامنا أحيانًا إلى شيء من أنفسنا!
نكتب لنصف حالًا نعرفها، ثم تمضي بنا الأيام حتى نعود إلى العبارة نفسها فنكتشف أننا صرنا نعرفها أكثر.
وهكذا لا يعود العاشق في ليله وحده وإن بدا وحده؛ حوله شعراء ماتوا، ومغنون لا يعرفونه، وكلماتٌ قديمة ترك فيها شيئًا من قلبه، وامرأة واحدة لا وجود لها في الغرفة…
ومع ذلك تدور الغرفة كلها حولها.
والعجيب أنه، بعد أن يجمع حوله كل هذه الرفقة، لا يطلب منهم أن يخففوا عنه.
بل يطلب منهم أحيانًا أن يزيدوه وجعًا.
يعرف الأغنية التي سترده إليها فيسمعها، ويعرف البيت الذي سيقف عنده قلبه فيقرؤه، ويعرف القصيدة التي ستفتح عليه بابًا أغلقه في النهار فيمد يده إليها.
فلماذا يستعذب العاشق في لحظات الشوق ما يؤلمه؟
لماذا يعيد المقطع الذي أسقط دمعته؟
ولماذا إذا أصابه بيت في موضع جرحه لم يتجاوزه، بل عاد إليه مرةً بعد مرة؟
لعل بعض الألم إذا اتصل بمن نحب يصير عندنا أثمن من الراحة؛ لا لأن الوجع محبوب، ولكن لأنه يصبح أثرًا ممن نحب.
وكأن القلب يخشى أن يهدأ فينسى، ويخشى أن يبرأ فيكون في برئه شيء من الفقد؛ فيؤثر وجعًا يبقي الحبيب حاضرًا على راحة يشعر معها أنه ابتعد عنه قليلًا.
فيقول للأغنية: أوجعيني قليلًا؛ فما دمت أتوجع هكذا فما زال شيء منها هنا.
ويقول للقصيدة: أعيدي إليّ ما قضيت النهار أخفيه.
ويقول للذكرى: لا بأس… تعالي.
ثم تسقط دمعة.
يمسحها.
ويعيد المقطع.
يا للعجب!
كأن القلب يقول لصاحبه: زدني مما يؤلمني، ففي هذا الألم شيءٌ منها.
لكن ليل العاشق ليس حزنًا خالصًا؛ ولو كان كذلك لهان أمره.
إنما مشقته الكبرى في أنه يتقلب بين الرجاء واليأس، حتى لا يكاد يستقر على واحد منهما.
وهنا يشدو مكاوي:
توعدني بفرحتي… واستني بضحكتي
زي الوردة ما تبقى مستنية الندى
وما أصدق صورة الوردة!
فالعاشق ليس ميتًا في حزنه؛ إنه حيٌّ ومنتظر. وفيه موضع لا يزال مهيأً للفرح، كما تظل الوردة مهيأةً لقطرة الندى.
وما أقل ما تحتاج إليه الوردة، وما أعظم حاجتها إليه!
قطرة لا يلتفت إليها العابر، ولكنها عند الظمآن حياة.
وهنا تكمن مسكنة أهل الغرام بقدر ما تكمن في حرمانهم؛ فما يعذب القلب ليس دائمًا أن يغيب عنه ما يحب، وإنما أن يظل قادرًا على تخيل مجيئه.
يغيب، فيحاول أن يتعلم الغياب.
يلوح له أمل، فينسى كل ما تعلمه.
يفتح القلب أبوابه من جديد، ويعيد ترتيب البيت لاستقبال ضيف لا يدري أيأتي أم لا.
وما أسرع العاشق إلى «لعل»!
لعل الذي يبدو بعيدًا يقرب.
لعل القلوب تتغير.
لعل الأبواب التي أُغلقت تفتح.
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
تكفيه «لعل» واحدة ليبني في دقائق عمرًا كاملًا؛ ثم يكفيه خوف واحد ليهدم ما بناه.
وقد عرف الرافعي هذا العذاب أيضًا فقال:
وما أطافَ بقلبي في الهوى أملٌ
إلا بعثتَ عليه الهمَّ والحزنا
فالأمل عند العاشق لا يأتي وحده؛ يأتي وفي إثره الخوف.
ولهذا ربما كان الاحتمال أشد تعبًا من اليقين؛ فما فُقد وانقضى أمره له حزن واحد، أما ما بقي بين الإمكان والاستحالة فيُفقد ويُستعاد في القلب عشرات المرات.
مرةً يملكه القلب بالأمل، ومرةً يفقده بالخوف.
وهو في الحالتين لم يملك شيئًا ولم يفقد شيئًا.
حتى إذا أعياه أن يموت ويحيا في الليلة الواحدة مرارًا، عاد مكاوي يسأل:
فين القلب اللي يقدر يستحمل كل ده؟
وكأن الرافعي يجيبه من زمن آخر:
وفي الجوانح شيءٌ لستُ أعرفهُ
لكنْ أهل الهوى يدعونهُ شجنا
وكم هو عجيب ما يصنعه الحب بالمكان!
قد يكون بين المرء ومن يحب بلادٌ فلا يشعر أن بينهما إلا الذكر، وقد يكون قريبًا منه ولا يستطيع إليه سبيلًا، فتكون الخطوة الواحدة أبعد من البلاد.
وللرافعي صورة لا أكاد أجد أصدق منها:
إني وإياكَ كالمنفيِّ عن وطنٍ
أيُّ البلادِ رأى لم ينسهِ الوطنا
فالمنفي قد يرى بلادًا كثيرة؛ مدنًا أجمل من مدينته، وبيوتًا أوسع من بيته، وأرضًا أخصب من أرضه، ولا يصير شيء منها وطنًا.
وهكذا القلب.
ليس كل جميل حبيبًا، ولا كل قريب سكنًا، ولا الأشياء فيه جداول مفاضلة يختار منها العقل ما كان أجمل وأيسر.
ثمة إنسان يمر بك فتراه.
وثمة إنسان يمر بك فتنتبه إليه.
وثمة إنسان إذا اقترب منك حدث فيك أنت شيء.
وهنا سر الحكاية.
أن تكون الأشياء كلها كما هي، ومع ذلك تشعر أن احتمالها صار أيسر.
أن يظل العالم صاخبًا، ولكن شيئًا داخلك يسكت.
أن تكون الأسئلة نفسها، والهموم نفسها، والحياة نفسها، ثم يكون قرب إنسان واحد كافيًا لأن تشعر أنك لست في حرب معها كلها.
وللرافعي، مرة أخرى، بيت عجيب:
يبيتُ ينبضُ قلبي من تقلُّبهِ
حتى إذا ذكروا من هاجهُ سكنا
يا لهذه المفارقة!
من هاج القلب هو نفسه الذي يسكن القلب بذكره.
كأن الداء والدواء خرجا من باب واحد.
وحين يعرف المرء هذا الشعور مرة، يفهم لماذا قد يشتاق إلى إنسان اشتياقًا يتجاوز الرغبة في رؤيته.
إنه أحيانًا لا يشتاق إليه وحده.
بل يشتاق إلى نفسه حين يكون قريبًا منه.
ولهذا قد يجلس العاشق في الليل فلا يتخيل مشهدًا عظيمًا.
لا قصرًا، ولا سفرًا، ولا احتفالًا.
ربما يتخيل يدًا في يده.
حديثًا طويلًا لا موضوع له.
سؤالًا بسيطًا: كيف كان يومك؟
ثم إجابة تمتد وتتشعب، وهو يسمع ويريد منها أن تتشعب أكثر.
يتخيل صمتًا لا يحرجه، وقربًا لا يحتاج إلى موعد، وحياةً عادية جدًا.
وهذا العادي هو الذي يوجعه.
فالأحلام الكبرى يستطيع الإنسان أن يقول عنها إنها أحلام؛ أما أن تتمنى صباحًا عاديًا مع إنسان، وفنجانًا على مائدة، وحديثًا لا يذكره أحد بعد انتهائه، فهذه أشياء صغيرة إلى حد أن القلب لا يفهم لماذا ينبغي أن تكون بعيدة كل هذا البعد.
إنه لا يريد لحظةً أجمل.
يريد ألا تكون اللحظة لحظة.
يريد أن تصير حياة.
ثم يطول الليل.
تنتهي أغنية وتبدأ أخرى، وتُفتح صفحة ثم تُغلق، ويصمت مكاوي وأبو وديع والرافعي وكل من استعان بهم القلب على وحشته.
وتأتي لحظة لا يريد فيها شعرًا ولا موسيقى ولا كلامًا.
وهذه ربما أشد ساعات العاشقين؛ لأن اللغة نفسها تكون رحمة.
فما دام المرء يقرأ أو يسمع أو يكتب، فإن شيئًا يقف بينه وبين شعوره في صورته العارية.
أما إذا سكت كل شيء، بقي القلب أمام القلب.
هناك قد تمر صورتها فجأة.
لا قصة كاملة، ولا ذكرى محددة.
مجرد وجه.
فتسقط دمعة لم يستدعها.
ويتعجب: من أين جاءت؟
كأن الجسد أحيانًا يعرف ما في النفس قبل أن تستأذن النفس في إظهاره.
وقد يشعر بالهم في صدره أو بطنه، وكأن الحزن حين يضيق به القلب يبحث له عن موضع آخر في الجسد.
ثم يقول في سره:
لو أنها هنا.
لا لتجيب عن الأسئلة كلها، ولا لتحل عقد الحياة، ولا لتغير ما كُتب؛ بل لتكون هنا فحسب.
فبعض الناس نطلب منهم حلولًا، وبعضهم يكفي حضورهم حتى تصبح المشكلات، وهي هي، أقل وطأة.
وما أكثر الفرق بين أن تزول الأحمال، وبين أن تستطيع حملها.
ثم يعود الرجاء.
ومن يدري؟
هذا السؤال وحده يكفي أحيانًا.
من يدري ماذا يكون غدًا؟
لقد عشنا أعوامًا لا نعرف فيها ما ينتظرنا بعد أسبوع، ثم جاءت أشياء لو أخبرنا بها أحد قبلها لقلنا: كيف؟
فبأي حق يريد القلب الآن أن يكتب آخر الصفحة قبل أن يبلغها؟
ليس معنى ذلك أن كل ما نرجوه سيكون، ولا أن كل باب أُغلق سيُفتح.
ولكن اليقين باليأس ادعاءٌ للغيب كما أن اليقين بالأماني ادعاءٌ له.
وبين الوهمين موضعٌ أرحب وأصدق:
لا أدري.
وما أجمل «لا أدري» أحيانًا إذا أعادت الإنسان إلى الله.
لا أدري كيف ستسير الأمور.
ولا أدري أيَّ شيء كُتب لي.
ولا أدري هل يكون ما أتمناه خيرًا فييسره الله، أم يكون في الطريق ما لا أراه.
لكنني أعلم أن ما خفي عني ليس خافيًا عنه.
وهنا يهدأ شيء في النفس.
ليس هدوء من حصل على الجواب؛ بل هدوء من عرف إلى من يرفع السؤال.
ثم يقترب الفجر.
والعاشق الذي دخل ليله وحيدًا يكتشف أنه قضاه في مجلس عجيب؛ جلس فيه الرافعي إلى جوار سيد مكاوي، وناح فيه أبو وديع، ومر به شعراء وعاشقون لا يعرف أسماء بعضهم، وجاءت إليه نسخ قديمة من نفسه تحمل أوراقًا كتبها في ليالٍ مضت.
كل واحد منهم قال كلمته ومضى.
وبقي شيء واحد كما هو.
يحب.
وربما ينام العاشق أخيرًا، لكن ليس لأن الشوق انتهى؛ وإنما لأن الجسد غلب القلب للحظات.
ثم يأتي الصباح.
تدخل الشمس الغرفة كأن شيئًا لم يحدث.
يقوم الناس إلى أعمالهم، وتمتلئ الطرق، وتبدأ الرسائل والمواعيد، ويعود العاشق واحدًا من الناس؛ يجيب، ويبتسم، ويقضي ما عليه.
ولا يعلم أحد أنه عاش في الساعات القليلة الماضية عمرًا كاملًا.
ولا يعلمون أن لليل عند بعض الناس حياةً أخرى؛ فيها يجتمع من فرقتهم الأيام، وتُقال أحاديث لم تُقل، وتُمسك أيدٍ لم تُمسك، وتُبنى بيوت لا وجود لها إلا في القلب.
حتى إذا اقترب أذان الفجر، انفضَّ مجلس العاشقين.
يسكت مكاوي، ويصمت أبو وديع، ويعود الرافعي إلى كتابه، وتغلق الدواوين، وتخفت الذكريات قليلًا.
ويبقى العاشق وحده.
ينظر إلى ما بقي من الليل، وإلى ما بقي في قلبه من رجاء، ثم لا يجد بعد طول التفكير إلا أن يرد الأمر كله إلى من بيده الأمر كله.
فليس كل باب مغلق قد كُتب ألا يفتح، وليس كل ما يرجوه القلب قد كُتب أن يكون.
وبين هذه وتلك يعيش الإنسان؛ لا يعلم ماذا خبأ الله له، ولا أيَّ دعاء سيبلغه، ولا أيَّ قدر ينتظره وراء الأيام.
ولعل هذا آخر ما يتشبث به العاشق حين تتعب منه الاحتمالات:
أن المستقبل، مهما أكثر القلب من تخيله، ما زال غيبًا.
وأن ثمة أشياء لا يستطيع الشعر أن يقولها، ولا الغناء أن يحملها، ولا البوح كله أن يستنفدها.
فإذا أعياه الكلام، قلَّب وجهه في السماء وقال:
يا رب، أنت تعلم.
ثم سكت.
فثمة أشياء بعد طول البوح لا يليق بها إلا الكتمان.
وثمة أشياء لا يعلم كيف تنتهي…
إلا الله.