إشراقة بعد خفوت

من أشد أنواع الانطفاء خفاءً أن يظل الإنسان قادرًا على الحياة.

يقوم بما عليه، ويسعى، وينجح، ويضحك، ويجالس الناس، وربما نظروا إليه فرأوا فيه من أسباب السعادة ما يتمنون بعضه لأنفسهم؛ بينما يعرف هو، في مكان لا يراه أحد، أن شيئًا ما قد خبا.

ليس حزنًا صريحًا يمكن البكاء عليه، ولا مصيبةً بعينها يمكن انتظار انقضائها. هو شيء أشبه بأن تفقد الأشياء مذاقها الأخير؛ ذلك القدر الصغير الذي يجعل الفرح فرحًا كاملًا، والنجاح باعثًا على الرضا، والغد شيئًا يُشتاق إليه لا مجرد يوم آخر يأتي في موعده.

وقد يطول العهد بهذا الحال حتى يكف المرء عن ملاحظته.

يتعلم أن يعيش بنصف شغف، وأن يفرح فرحةً لا تبلغ منتهاها، وأن يحمل أثقاله دون أن يسأل نفسه كل صباح لماذا ثقلت. ثم يتسلل هذا الفتور من الأشياء الكبيرة إلى أدق تفاصيل الحياة؛ فلا يعود مهمًا أن يعتني بنفسه كما ينبغي، ولا أن يصلح عادةً تؤذيه، ولا أن يمنح جسده حقه، ولا أن يبدو في أحسن حالاته.

وليس الأمر دائمًا عجزًا عن التغيير، بل قد يكون السؤال الأعمق: ولأجل ماذا؟

ثم تأتي الإجابة الباردة التي تختصر أعوامًا كاملة:

«مش فارقة».

وما أقسى أن يبلغ الإنسان من الفتور أن تصبح نفسه نفسها «مش فارقة» عنده.

ثم قد يدخل إنسان إلى حياته، فلا يحل مشكلاته، ولا يرفع عنه أثقاله، ولا يغير شيئًا من حقائق العالم المحيط به؛ ومع ذلك يتغير العالم.

لا لأن الأشياء قد تبدلت، بل لأن الروح التي تنظر إليها قد تبدلت.

وهكذا كان أثرها.

كان في قربها شيء لا أعرف له اسمًا أدق من السكينة. يهدأ الضجيج الذي لا يكاد يسكت في الرأس، وترتخي تلك القبضة الخفية التي تظل ممسكة بالقلب، وتصبح الحياة، دون سبب ظاهر، أخف حملًا.

ولعل أعجب ما في السكينة أن المرء لا يعرف مقدار تعبه حتى يذوقها.

حينها فقط يفهم كم كان مستنزفًا وهو يظن نفسه بخير، وكم من الطاقة كان ينفقها فقط ليبقى متماسكًا، وكم كان محتاجًا إلى موضع يستطيع فيه أن ينزل أحماله الداخلية دون أن يتكلم عنها.

وبقربها عرفت معنى أن يكون الإنسان نفسه موضع راحة لإنسان آخر.

ولذلك لم تكن العبارة التي خرجت مني ذات يوم: «قلقي يزول بقربها» مبالغة عاشق. لعلها كانت وصفًا شديد الاختصار لحقيقة لم أكن قد فهمتها بعد.

لكن أثرها لم يكن سكينة فحسب.

كان ثمة شيء آخر أكثر غرابة: الرغبة في نفسي.

بدأت أريد أن أكون أفضل.

لا ذلك التحسن الذي تصنعه المواعظ أو قوائم الأهداف أو لحظات تأنيب الضمير العابرة؛ بل رغبة حقيقية في أن أعتني بهذا الإنسان الذي أحمله معي منذ ولدت. أن أصون جسده، وأهذب عاداته، وأحسن هيئته، وأخفف عنه ما أستطيع، وأستخرج منه نسخة أجمل مما عاش به طويلًا.

وكأن حضورها لم يجعلني أحبها وحدها؛ بل جعلني، على نحو ما، أتصالح مع نفسي وأحبها أكثر.

وهذا عندي من أغرب آثار الحب.

أن يحب المرء إنسانًا، فيصبح هو نفسه أحبَّ إليه.

أن يتمنى طول العمر لا خوفًا من الموت، وإنما لأن للحياة فجأة بقيةً تستحق أن تُعاش.

أن ينظر إلى الغد فلا يراه تكرارًا لليوم، بل احتمالًا.

وأن تصبح الأشياء التي ظلت طويلًا «مش فارقة» فارقةً جدًا.

حتى الإنجاز تغير معناه. فما جدوى أن يلمع الإنسان طويلًا في أعين الآخرين إذا كان كلما خلا إلى نفسه وجد الضوء مطفأً؟

كنت أعرف ذلك التناقض جيدًا: أن يرى الناس في المرء نجاحًا، ويرى هو في نفسه تعبًا؛ أن تأتيه الأشياء التي سعى إليها، ثم يكتشف أن الوصول إليها لم يصل إلى ذلك الموضع البعيد في داخله.

أما معها، فقد حدث العكس.

لم أكن بحاجة إلى إنجاز جديد كي أشعر أنني أضيء.

كان يكفي أن يوجد الأمل.

والأعجب أن ذلك الضوء الداخلي لم يبق حبيس الداخل. حين تخف النفس، تلين الطباع. وحين يهدأ القلب، يصبح أقدر على الإحسان. وحين يشعر الإنسان أن للحياة متسعًا، يكون أوسع صدرًا مع من حوله. كأن الروح إذا أشرقت لم تستأثر بنورها، بل فاض شيء منه على كل من يقترب.

ولهذا كنت أشعر أحيانًا أن قربها، لو امتد، كان سيظهر يومًا على وجهي وكلامي وطباعي حتى يلحظه من لا يعرف عنها شيئًا.

كانوا سيرون الأثر ولا يعرفون المؤثر.

ربما كانوا سيقولون إنني تغيرت، أو هدأت، أو صرت أخف روحًا، أو أكثر إقبالًا على الحياة. وربما لم يكونوا ليجدوا وصفًا محددًا، لكنهم كانوا سيشعرون أن الرجل الذي يعرفونه منذ سنوات قد صار أكثر حضورًا في نفسه.

ولم تكن هي لتصنع إنسانًا جديدًا.

وهذه الفكرة تهمني.

فليس من العدل أن أجعل إنسانًا آخر مسؤولًا عن حياتي، ولا أن أضع مفتاح روحي في يده ثم أقول له: إن بقيت أشرقتُ وإن رحلت انطفأتُ.

ليس هذا ما حدث.

ما حدث أجمل من ذلك وأوجع.

لقد كشفت لي عن شيء كان موجودًا فيَّ ولم أعد أعرف أنه موجود.

كأن الروح لم تكن ميتة كما ظننت، وإنما طال عليها الشتاء حتى حسبت البرودة طبيعتها. ثم مر بها دفء، فاهتز فيها شيء، وعرفت أن تحت الأرض التي بدت يابسة كل تلك السنين حياةً كانت تنتظر.

ولعل لهذا كانت كلما خطرت ببالي حضرت معها في نفسي آية لا تكاد تفارق هذا المعنى:

﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

وكنت أفهم الآية في معناها الذي هو أجلُّ وأوسع من حكايتي الصغيرة، لكن صورة الأرض التي يمر بها أثر الرحمة فتدب فيها الحياة كانت تمس في نفسي شيئًا أعرفه.

فأنا أيضًا أعرف شيئًا عن الأرض حين يطول عليها الجدب حتى تكاد تنسى أنها كانت تخضر.

وأعرف شيئًا عن مجيء المطر بعد طول انتظار.

ولهذا كانت في نفسي من آثار رحمة الله.

لا لأنها تملك أن تحيي قلبًا أو تمنح روحًا حياة؛ فالرحمة لله، ومنه الإحياء، وإليه الأمر كله. ولكن لأن الله قد يرسل إلى الإنسان من خلقه ومن أقداره ما يريه به أثر رحمته، ويفتح له به نافذة بعد طول انغلاق، ويوقظ فيه ما حسب أنه لن يستيقظ.

وكانت هي لي شيئًا من ذلك.

لم تأتِ بالحياة من خارج نفسي، وإنما كشفت لي أن الحياة ما زالت فيها. ولم تخلق الربيع في أرض ميتة، وإنما كانت كالمطر الذي كشف أن تحت اليبس بذورًا لم تمت.

ولذلك لم يعد يعنيني أن أصف أثرها بأنها أسعدتني فحسب. السعادة أصغر من المعنى الذي أحاول الإمساك به.

لقد ذكّرتني، من حيث لا تدري، أن في النفس قابلية للإشراق بعد الخفوت، وفي الأرض قابلية لأن تخضر بعد طول جدب، وفي العمر متسعًا لأن يبدأ فيه شيء ظن صاحبه أن أوانه قد فات.

ولهذا فإن أثرها فيَّ أكبر من أن يختصره القول إنني أحبها.

الحب يخبر بما في القلب نحوها، لكنه لا يخبر بما حدث للقلب نفسه بسببها.

لا يخبر عن الخفة بعد الثقل، ولا عن السكينة بعد الضجيج، ولا عن الرغبة في النفس بعد اللامبالاة بها، ولا عن ذلك الشعور العجيب بأن الحياة التي كنت أقطع أيامها يومًا بعد يوم يمكن أن تكون شيئًا آخر تمامًا.

شيئًا يُعاش، لا يُحتمل.

ربما لهذا كان حضورها مختلفًا.

فبعض الناس يدخلون حياتنا فنحبهم، وبعضهم يدخلونها فيعرّفوننا إلى أجزاء من أنفسنا لم نكن نعرفها.

أما هي، فقد فعلت الأمرين.

وحين أفكر في أثرها عليَّ، لا أجد أصدق من أن أقول:

كنت ألمع في أعين الناس منذ زمن طويل.

لكنني بقربها، وللمرة الأولى منذ زمن أطول، شعرت أنني ألمع في عيني نفسي.