سوانح

استثناء خفيف

ما ظننتُ الحزم يومًا قسوةً، ولا رأيتُ من تمام القوة أن يمضي المرء فيما يريد لا يلوي على قلبٍ خلَّفه وراءه مكسورًا.

فربَّ رجلٍ لا تزعزعه الشدائد، ويثبت إذا اضطرب من حوله، فإذا وقف بينه وبين أمره خاطرُ إنسانٍ رقَّ له ما لم يرقَّ لنفسه، وهان عليه أن يحمل من المشقة ما يثقل كاهله، ولم يهن عليه أن يكون في قلب أحدهم وجعٌ كان يستطيع أن يدفعه عنه.

ولقد عرفتُ من نفسي شيئًا من ذلك.

ما هابت نفسي كثيرًا مشقةَ قرارٍ عزمت عليه، ولا أثنتني تبعاته إذا رأيت أن لا بد منه؛ غير أنني طالما وقفت أمام كلمة «لا» وفي النفس منها يقين، ثم ثقلت على لساني حين رأيت ما وراءها.

فإن للكلمات ما للأفعال من آثار، ورب كلمة لا تجاوز في نطقها نفسًا واحدًا، ثم تقع في قلب سامعها فلا تزول منه أعوامًا.

ولست أدري متى صار كسر الخواطر عندي أثقل من كثير مما يثقل الناس.

لعل المرء إذا خبر شيئًا من انكسار نفسه صار أبصر بانكسار غيره، أو لعل في النفوس رحمةً لا يُعرف مقدارها حتى توضع بين راحتين: راحة صاحبها، وراحة من أمامه؛ فإذا هي تؤثر التعب على أن ترى في عين إنسان خيبةً كانت هي سببها.

وللضعفاء من ذلك في نفسي نصيب أكبر.

فما أهون أن تكون شديدًا على قويٍّ يملك من أمره ما تملك من أمرك، وما أثقل الشدة إذا كان الذي أمامك لا يحسن دفعها عن نفسه! كأن ضعف الإنسان يستودعك شيئًا من حقه، فتستحي أن تزيد الدنيا عليه وأنت تراها قد زادت.

فإذا كان عزيزًا عليك، رقَّ الأمر حتى يكاد الحزم نفسه يستحي أن يظهر.

وكم حملت لذلك ما لم أكن أريد حمله، وقلت «نعم» وفي النفس «لا»، وآثرت أن يثقل الأمر عليَّ على أن يثقل قلبًا أحببته. وكنت أعرف ثمن ذلك كله؛ أعرفه حين أخلو إلى نفسي فأجد ما حملته باقيًا على صدري، وحين أود لو أنني كنت أقدر على شيء من الأنانية الجميلة التي يحفظ بها الناس لأنفسهم حقها.

ثم لا أفعل.

فما كان يسعني أن أشتري خفتي بثقل من أحب.

وظننت أنني بذلك قد عرفت شأن الحب كله؛ وأن غايته أن تتسع النفس لمن تحب حتى تحمل منه ما لا تحمل من الناس، وأن يكون له من صبرك ما ليس لسواه، ومن عذرك ما يضيق عنه غيره.

ثم بدا لي من أحوال القلب ما لم أحسب له حسابًا.

فليس أعجب الحب أن تحتمل من حبيبك ما لا تحتمله من الناس؛ بل أن يصدر عنه ما لو صدر عن غيره لثقل عليك، ثم تنظر في نفسك فلا تجد ثقلًا.

لا صبرًا أعنتَ به نفسك، ولا غيظًا كظمته، ولا عذرًا تكلفت التماسه.

لا شيء.

كأن الأمر لم يقع في نفسك من الباب الذي تدخل منه أفعال الناس.

وهنا فرق دقيق لا تدركه العبارة كما يدركه القلب؛ فشتان بين شيء يؤلمك فتصبر عليه محبةً، وشيء كان ينبغي — بما تعرفه من نفسك — أن يؤلمك، ثم لا يؤلمك لأنه جاء من إنسان بعينه.

في الأولى مجاهدة، وإن خفيت.

وفي الثانية سكينة.

في الأولى تقول في سرك: لا بأس، هوّن عليك، فإنك تحبه.

وفي الثانية لا تحتاج أن تقول لنفسك شيئًا؛ فقد هان قبل أن تحدثها.

وكنت إذا أحببت أحدًا حسبت من الوفاء أن أحتمله، حتى عرفت أن من الناس من لا تشعر معه أنك تحتمل أصلًا.

تتوقع أن يضيق صدرك فلا يضيق، وأن تثور في نفسك تلك الخصومة القديمة بين ما تريد وما يريد، فلا تثور؛ بل تجد في قبولك منه خفةً تحيّرك، كأن للنفس معه طبيعةً غير طبيعتها مع سائر الخلق.

فيا عجبًا للقلب!

كيف يثقل عليه من الناس ما يخف عليه من واحد، وكيف يحتاج مع بعض من يحب إلى كثير صبرٍ ورحمة، ثم يأتيه آخر فيستغني معه عن الصبر؛ لا لقلة ما يقع بينهما، ولكن لأن ما يأتي منه لا يقع في القلب الموقع نفسه.

ولعلني كنت مخطئًا حين ظننت أن المحبة تُعرف بمقدار ما نحتمل.

فبعض الحب احتمال، نعم؛ وفي الاحتمال من الوفاء والرحمة ما لا يُنكر.

ولكن بعضه شيء آخر.

أن يأمن القلب حتى تلين طباعه من غير أن يشعر، وتسقط عنه حراسته التي يقيمها بينه وبين الناس، فلا يعود يسأل عند كل أمر: ماذا أريد أنا، وماذا يريد هو؟ ولا يحصي ما أعطى وما أخذ، وما احتمل وما غفر.

يمضي كل ذلك هينًا، كما تمضي الأشياء التي وجدت موضعها.

ولست أجد لهذا اسمًا أدق من الخفة.

خفةٌ لا تشبه اللامبالاة؛ بل لعلها من فرط المبالاة.

ولا تشبه الضعف؛ فإنني لا أشعر أنني مغلوب.

ولا تشبه الصبر؛ فإن الصبر لا يكون إلا على ما يشق.

إنما هي حالٌ أجدني فيها قادرًا على أن أكون أنا، بكل ما أعرف في نفسي من عزمٍ وحزم، ثم لا أحتاج مع من أحب إلى شيء من ذلك كله.

وكأن للقلب منطقه الذي لا يعرفه العقل إلا بعد فوات الأوان:

فمن الناس من نحبه، فنقوى لأجله على حمل ما يثقل.

ومنهم من إذا أحببناه…

خفَّ ما كان يثقل.