عن حبي لها

سألوني عن حبي لها، فماذا عساي أن أقول؟!

أأقول إنني أحبها؟
كلمةٌ قصيرة، أضيق من أن تحمل ما في القلب.

أأقول إنني أشتاق إليها؟
وكيف يسمى شوقًا ما يجعل حضورها يسكنني في غيابها، ويجعل لحظةً بقربها تكفيني لأعيش عليها أيامًا؟

أشتاق إلى حديثها، وإلى صمتها، وإلى أشياء صغيرة ربما لا تعلم أنني ألتفت إليها. وربما مرّ بيننا موقف عابر لا تلقي له بالًا، ثم أظل أنا أستعيده طويلًا؛ نظرةً، أو ابتسامةً، أو كلمةً قالتها ومضت.

وأعجب من ذلك أنني قد أشتاق إليها وهي أمامي؛ كأن القلب لا يكتفي بالقرب حين يعرف أنه قربٌ إلى حين.

أأقول إنني أريدها؟
بل أريد معها حياةً كاملة؛ صباحاتٍ عادية، وأحاديثَ لا يذكرها أحد، وصمتًا لا يثقل، وعمرًا يمضي ونحن لا نشعر بمضيّه.

لا أريد منها لحظاتٍ جميلة فحسب، بل أريد تلك الأيام التي لا يحدث فيها شيء يستحق أن يُروى؛ أن نتحدث في صغير الأمور وكبيرها، وأن أعرف كيف مضى يومها، وأن تعرف كيف مضى يومي، وأن تصبح الأشياء التي أتمناها الآن من عاديّ الحياة الذي لا نتوقف عنده.

أريد ذلك النوع من القرب الذي لا يحتاج في كل مرة إلى موعد، ولا ينتهي في كل مرة بوداع.

هي ليست امرأةً أحببتها ثم مضيت في شأني؛
لقد دخلت حياتي حتى صار لبعض الأشياء قبلها طعمٌ، وبعدها طعمٌ آخر.

ولا أدري متى حدث ذلك بالضبط.

متى صار حديثها يعني لي كل هذا؟ ومتى صار حضورها قادرًا على أن يغيّر يومي، وغيابها قادرًا على أن يترك فيه هذا الفراغ؟

كل ما أدريه أن الأمر حدث على مهل، حتى وجدتني في مكان لم أخطط للوصول إليه، ولا أعرف طريقًا للرجوع منه.

أفرح لرؤيتها فرحًا لا أحسن إخفاءه، وأضطرب لرسالةٍ منها كأنني أقرؤها لأول مرة، وأشتاق إليها وهي على بُعد خطوات، فكيف إذا باعدت بيننا البلاد؟

وأريد لها الخير.

أريد أن تكون سعيدة ومطمئنة، وأن تكون أيامها أرفق بها، وأن تنال من الحياة ما تتمنى. يسعدني ما يسعدها، ويؤلمني ما يؤلمها، وأتمنى لو استطعت أن أدفع عنها كل حزن.

لكنني لا أدّعي أنني أريد لها الخير وكفى.

أريد أن أكون معها في ذلك الخير.

أريد أن يكون لي نصيب من أيامها، ولها نصيب من أيامي، وأن أكون ممن تأوي إليهم إذا أثقلها يوم، وممن يخطرون ببالها حين يحدث لها شيء جميل.

ثم يسألونني: كم تحبها؟

ولا أعرف للحب مقياسًا أجيبهم به.

أأقيسه بمقدار شوقي إليها؟ أم بفرحي حين أراها؟ أم بذلك الاضطراب الذي أعرفه كلما انتظرت منها جوابًا؟

لا أعرف.

كل ما أعرفه أنني حين حاولت أن أتخيل الحياة من دونها، استطعت أن أتخيل الحياة…

استطعت أن أتخيل الأيام تمضي، والعمل يشغلني، والأبناء يكبرون، وأن أضحك وأسافر وأعيش، وأن تستمر الأشياء كما تستمر دائمًا.

لكن شيئًا واحدًا استعصى عليّ.

استطعت أن أتخيل الحياة من دونها…

ولم أستطع أن أتخيلني فيها.