لا يعرف الشوق إلا من يكابده
منذ أيام يتردد في نفسي قول الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابدهُ
ولا الصبابة إلا من يعانيها
وكأنِّي به يقول: إن من أحوال القلب ما لا تتسع له اللغة؛ فأنَّى للكلمات أن تنقل حقيقة ما يشعر به من احترق كبدُه وانفطر فؤادُه؟!
يا عجبًا للحب! كأن له هندسةً غير هندسة الأرض؛ فقد تكون بين الحبيب وحبيبه أميالٌ فلا يكون بين قلبيهما إلا الذكر، ويكونان في مكانٍ واحد وبينهما لحظةٌ واحدة، فإذا تلك اللحظة من البُعد كأنها أبدٌ لا ينقضي.
وقد علمتُ يومئذٍ أن للقلب مسافاتٍ لا تُقاس بالخطو، ولكن بالأمل؛ فما كان بعيدًا لا ترجوه النفس يبعد مرةً واحدة، أما ما دنا حتى أوشك أن يكون، ثم لم يكن، فإنه يبعد في النفس كلما تذكرت أنه كان قريبًا.
وهل رأيتَ الحرمان كيف يكون نعمةً مقلوبة؟
يقول لك القدر: هذه أمنيتك؛ قد بلغتُ بها منكَ مبلغَ العين من مرآها، فلا هي منك فتملكها، ولا هي غائبة عنك فتنساها. ثم يترك بينك وبينها مقدارًا صغيرًا من الزمن، ولكنه يضع في هذا المقدار الصغير كلَّ معنى الفراق.
فيا ليت ما نحب إذا مُنعناه يذهب بعيدًا!
إن البعيد تستريح منه العين وإن لم يسترح القلب؛ ولكن ما تصنع بشيء غاب عن عينك وهو في كل ما حولك حاضر؟ وما تصنع بقريبٍ لا تستطيع أن تبلغ منه إلا قربه؟
كنتُ أحسب أن الشوق طلبُ الغائب، حتى عرفت أن أشد الشوق طلبُ الحاضر الذي لا تصل إليه.
فالغائب وراء المسافة، أما هذا فوراء القدر.
وما أرادت النفس كثيرًا؛ فإن الحب إذا صدق قلَّت مطالبه حتى ليكون أكثرها في الناس أقلَّها عنده. نظرةٌ يراها الناس نظرة، ويراها المحب عمرًا صغيرًا قد وُهب له؛ ولحظةٌ تمر في حساب الساعة ولا تمر في حساب القلب؛ ووجهٌ واحد بين ألوف الوجوه، ولكن الله جعل فيه لعينيك معنى لا تجده في الألوف.
كنتُ أريد أن أراها، لا لأقول شيئًا؛ فثمَّ أحوالٌ إذا بلغها القلب صار الكلام فيها ضربًا من الجهل بها.
وما عسى أن تقول العين للعين إذا اجتمعتا بعد الشوق؟
إن بينهما لغةً لا حروف لها؛ تبدأ حيث ينتهي البيان، وتقول في سكونها ما لو نُقل إلى الكلام لأفسده الكلام.
كنتُ أريد تلك اللحظة فحسب؛ أن يطمئن هذا الشوق إلى صورته، وأن يعلم القلب أن التي يملأ بها غيبَه قد صارت لحظةً من شهوده؛ ثم لتذهب بعد ذلك إن شاءت، وليعد البعد بعد ذلك إن شاء، فإن للمحب من النظرة زادًا كما للمسافر من الماء، وقد يعيش القلب زمنًا طويلًا على قطرة.
ولكن الأمنية إذا قاربت أن تتم خُلقت لها في النفس حياة قبل حياتها؛ فإذا فاتت، لم يفت شيءٌ لم يقع، بل مات شيء كان قد وقع في القلب.
وهذا هو سر حزني.
لم أحزن على لقاءٍ لم يكن؛ بل على لقاءٍ كان في نفسي حتى لم يبقَ بينه وبين الدنيا إلا أن يقع.
رأيتُه قبل أن أراه، وفرحت به قبل أن يكون، وتهيأت له نفسي كما تتهيأ الأرض لأول المطر؛ فلما مضت اللحظة بقيت النفس على هيئتها تنتظر، وبقي فيها موضعٌ مهيأ للسعادة… ولم تجئ السعادة.
فكان في القلب شيء يشبه بيتًا أُضيء لاستقبال عزيز، ثم انقضى الليل ومصباحه لا يزال مضيئًا، والباب لا يزال ينتظر طرقًا لن يكون.
أفٍّ لهذا القلب!
يُعطى من الوهم ما يفرح به، ثم يُؤخذ منه من الحقيقة ما كان يصدق ذلك الوهم؛ كأنما خُلق بعض الرجاء ليعلِّمنا صورًا جديدة من اليأس.
ومع ذلك فما غضبتُ، ولا وجدتُ في نفسي عتابًا.
وكيف يعاتب المحب من كان عتابه إياها زيادةً في ألمها؟
إن من الحب حبًّا تكون شهوته أن يأخذ، ومنه حبٌّ تكون لذته أن يعطي؛ ثم يعلو الحب حتى يكون أشقُّ ما فيه على صاحبه أن يخشى أن يكون هو نفسه شقاءً لمن يحب.
وهنا يصمت العتاب.
فإن كانت قد مضت وما خطر لها شيء مما في نفسي، فما ذنبها في قلب جعل من لحظةٍ عابرة قَدَرًا؟
وإن كان في نفسها من اللقاء شيءٌ جعلها تؤثر البعد، فحسب قلبي من الرحمة بها أن يتألم ولا يسألها ألا تؤلمه.
وهكذا وجدتني أطلبها وأعذرها من طلبي، وأتمنى قربها وأرضى لها البعد إن كان البعد أرفق بها؛ فأكون معها على نفسي، ثم أرجع إلى نفسي فأجدني عليها معها.
يا حبيبتي، ما كنت أريد منك إلا أن أراك.
وهذه «إلا» في لغة الناس كلمة استثناء، ولكنها في لغة الحب قد تستثني من الدنيا الدنيا كلها.
فإن العين حين تشتاق إلى وجه واحد، لا يكون ذلك الوجه واحدًا من الوجوه؛ وإنما يصير هو الجهة التي تريد العين أن تنظر إليها من هذا العالم.
وقد فاتتني النظرة.
فلا تسألوا القلب: ماذا فاته؟
قولوا له فقط: كانت أمنيته على مقدار لحظةٍ منه، ثم مرَّت اللحظة وبقيت الأمنية.
وهذا بعض ما يسمونه الشوق.
أما أنا فأحسبه أن يكون لك قلبٌ يستطيع أن يبلغ من يحب في كل مكان…
إلا المكان الذي هو فيه.