بين البوح والكتمان
كُتبت في: ١ مايو ٢٠٢٦
بين البوح والكتمان حرب ضروس ساحتها النفس والروح؛ فيها يتخذ البوح القلب ناصرًا ومؤيدًا، بينما يحتمي الكتمان بسلطان العقل!
والعقل يميل بطبعه إلى إيثار السلامة، والبعد عن المخاطرة خشية الندم!
وفي المقابل لا يقنع القلب بحجج العقل، لا سيما إن امتلأ بما لا يجد منه فكاكًا!
ولئن كان العقل قادرًا على بسط سلطانه وسيطرته على اللسان فيلجمه ويرغمه على الكتمان، فإن باقي الجوارح لا تمتثل إلا للقلب ولا تعترف بسلطان غيره! فالعين تفضح ما خبأه اللسان، وتعابير الوجه وتقاسيمه تفشي ما يعجز عن بيانه اللسان ولو أطلق له العنان!
وحرب كهذه بين العقل والقلب ليست كسائر الحروب التي تنتهي بمنتصر ومهزوم، وإنما حرب لا تنتهي إلا بانتصار طرفيها معا، أو هزيمتهما جميعًا، إذ هما ليسا ضدان أو عدوان من حيث المبدأ، وإنما حليفان اشتد الخلاف بينهما، ويرى كل واحد منهما أن شدته على الآخر ليست إلا لحمايته من عواقب اختياره!
وتقف النفس بينهما حائرة، لا تدري مخبوء الغيب ولا ما أعد لها القَدَر!
القلب يناديها؛ طاوعيني أيتها النفس وإلا ندمتِ على الكتمان المفضي إلى التفريط فيما لا ينبغي لك التفريط فيه!
والعقل يناديها؛ أنا لا أنكر أن في اختيار القلب البوح وجاهة، لكنك أيتها النفس لا تدرين عواقب البوح، والسلامة لا يعدلها شيء!
ولما رأى القلب تردد النفس بين مطاوعته على إقدامه وبين الاستجابة لداعي التفريط في مرغوبه أخرج أقوى جنوده، وهتف بالنفس؛ أيا نفس إني ضامن لكِ حُسْنَ تلقي من ستقرأ ما بحت به، إذ لم أر منها إلا ما يستوجب حسن الظن!
فحينئذ هدأت النفس قليلا، وأومأت بالموافقة على حذر!
وهنا وافق العقل، لا اقتناعًا كاملاً بحجج القلب، ولا عجزًا عن الرد عليه، وإنما لأنه أدرك أن المضي في الكتمان لم يعد أقل مخاطرة من البوح.
وأطرق العقل يراقب متوجسًا، ولسان حاله يقول: “أرجو أن لا نندم جميعا على هذا البوح”، والله المستعان، وعليه التكلان!